الشوكاني

204

فتح القدير

لما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاث من المؤمنين ، ذكر ما جرى بين المنافقين واليهود من المقاولة لتعجيب المؤمنين من حالهم ، فقال ( ألم تر إلى الذين نافقوا ) والخطاب لرسول الله ، أو لكل من يصلح له ، والذين نافقوا هم عبد الله بن أبي وأصحابه ، وجملة ( يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ) مستأنفة لبيان المتعجب منه ، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة أو للدلالة على الاستمرار ، وجعلهم إخوانا لهم لكون الكفر قد جمعهم ، وإن اختلف نوع كفرهم فهم إخوان في الكفر ، واللام في لإخوانهم هي لام التبليغ ، وقيل هو من قول بني النضير لبني قريظة ، والأول أولى ، لأن بني النضير وبني قريظة هم يهود ، والمنافقون غيرهم ، واللام في قوله ( لئن أخرجتم ) هي الموطئة للقسم : أي والله لئن أخرجتم من دياركم ( لنخرجن معكم ) هذا جواب القسم : أي لنخرجن من ديارنا في صحبتكم ( ولا نطيع فيكم ) أي في شأنكم ، ومن أجلكم ( أحدا ) ممن يريد أن يمنعنا من الخروج معكم وإن طال الزمان ، وهو معنى قوله ( أبدا ) . ثم لما وعدوهم بالخروج معهم وعدوهم بالنصرة لهم ، فقالوا ( وإن قوتلتم لننصرنكم ) على عدوكم . ثم كذبهم سبحانه فقال ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) فيما وعدوهم به من الخروج معهم والنصرة لهم . ثم لما أجمل كذبهم فيما وعدوا به فصل ما كذبوا فيه فقال ( لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ) وقد كان الأمر كذلك ، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود وهم بنو النضير ، ومن معهم ولم ينصروا من قوتل من اليهود وهم بنو قريظة وأهل خيبر ( ولئن نصروهم ) أي لو قدر وجود نصرهم إياهم ، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده . قال الزجاج : معناه لو قصدوا نصر اليهود ( ليولن الأدبار ) منهزمين ( ثم لا ينصرون ) يعني اليهود لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم ، وهم المنافقون ، وقيل يعني لا يصير المنافقون منصورين بعد ذلك ، بل يذلهم الله ولا ينفعهم نفاقهم ، وقيل معنى الآية : لا ينصرونهم طائعين ولئن نصروهم مكرهين ليولن الأدبار ، وقيل معنى لا ينصرونهم : لا يدومون على نصرهم ، والأول أولى ، ويكون من باب قوله - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه - ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ) أي لأنتم يا معشر المسلمين أشد خوفا وخشية في صدور المنافقين ، أو صدور اليهود ، أو صدور الجميع من الله : أي من رهبة الله ، والرهبة هنا بمعنى المرهوبية ، لأنها مصدر من المبني للمفعول ، وانتصابها على التمييز ( ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) أي ما ذكر من الرهبة الموصوفة بسبب عدم فقههم لشئ من الأشياء ولو كان لهم فقه لعلموا أن الله سبحانه هو الذي سلطكم عليهم ، فهو أحق بالرهبة منه دونكم ، ثم أخبر سبحانه بمزيد فشلهم وضعف نكايتهم فقال ( لا يقاتلونكم جميعا ) يعني لا يبرز اليهود والمنافقون مجتمعين لقتالكم ولا يقدرون على ذلك ( إلا في قرى محصنة ) بالدروب والدور ( أو من وراء جدر ) أي من خلف الحيطان التي يستترون بها لجبنهم ورهبتهم . قرأ الجمهور " جدر " بالجمع ، وقرأ ابن عباس مجاهد وابن محيصن وابن كثير وأبو عمرو " جدار " بالإفراد . واختار القراءة الأولى أبو عبيد وأبو حاتم لأنها موافقة لقوله قرى محصنة . وقرأ بعض المكيين " جدر " بفتح الجيم وإسكان الدال ، وهي لغة في الجدار ( بأسهم بينهم شديد ) أي بعضهم غليظ فظ على بعض وقلوبهم مختلفة ونياتهم متباينة . قال السدي : المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد ، وقال مجاهد : بأسهم بينهم شديد بالكلام